قصة الحاج عبدالله
مقدمة
من القصص القصيرة او الحكايات الشعبية البسيطة وهي تحكي على المشهد الليبي في التعايش والؤام واللفة بين الناس ومدى القناعة التي هم فيها وكلما ضاق العيش يعلمون انه هذا هو القدر وهذا حكم الله وهم مستمرين في العمل والعطاء دون توقف إلى أخر نفس وقطرة عرق
وكذلك تبين الحكاية مدى ارتباط الناس بالأرض وتمسكهم بها فهي كل شيء بالنسبة لهم فهي مصدر العيش وهي مصدر السعادة والهناء .
...........
البداية
الحلقة الاولى (1)
في يوماً من الأيام كان الحاج عبدالله وهو رجل في منتصف الخمسينات يقود سيارته وهو يسير في الطريق الزراعي وفجأة نظر إلى عداد السيارة وجد آن الحرارة قد ارتفعت بالسيارة فأضطر إلى التوقف والبحث عن سبب الارتفاع في المؤشر فنزل من سيارته وإلقاء نظرة سريعة على المحرك فأكتشف نقص في المياه فبداء يتفقد سيارته لعله يجد بها جالون او قنينة ماء ولكن للأسف لم يعثر على أي شيء فبداء ينظر يميناً وشمالاً حتى اهتدى الى بيت قريب من الطريق وهو بيت صغير يشبه الكوخ من القش وبعض الصفيح والحجارة المصطفة التي تم بناء الجدار منها .
اقترب من البيت بعد إن تقدم نحوه بحرص حتى لا يسبب إزعاج لمن يقيم فيه ويشغله فوجد عجوز تجلس في باحة البيت أمامه مباشرتاً وهي تقوم بمخض اللبن
قال . السلام عليكم
قالت العجوز . وعليكم السلام ورحمة الله
قال الحاج .انا اسف على الازعاج يا حاجه
قالت . لا مافيش ازعاج يا ولدي تفضل
قال . اريد قليل من الماء للسيارة
قالت (وهي تهم بالوقوف ) . حاضر شوي ونجيبلك اميه..... سطل باهي؟
قال . ايه باهي بارك الله فيك
تغيبت العجوز دقيائق ثم خرجت من الداخل وهي تمسك بالسطل وهو ممتلئ بالمياه
قالت . تفضل خود السطل وبعد ما تم جيبه
قال . شكرا يا حاجه دقيقه ونرجعه ان شاء الله
ذهب الحاج عبدالله وهو يتجه نحو السيارة فقام بسكب الماء الى السيارة في خزان المياه الخاصة بالتبريد (الراداتوري) ثم رجع وهو يحمل السطل
قال . شكرا ياحاج وبارك الله فيك عالمساعدة
قالت .انتظر يا ولدي سوف اعطيك بعض الحليب لتشربه
فقامت الحاجة لتأتي بكوب لتملئه باللبن وفي هذه الإثناء وصل الحاج مختار زوج الحاجة وهو يحمل بعض العراجين من البلح وقفة (القفة عبارة عن حقيبة مصنوعة من سعف النخيل ) ممتلئة بالنمور
قال الحاج مختار . السلام عليكم
قال الحاج عبدالله . وعليكم السلام ورحمة الله
قال الحاج مختار . كيف حالك
قال الحاج عبدالله . الحمد لله يا حاج
في هذه الإثناء رجعت الحاجة وفي يدها كوب فارغ وجلست وهي تهمهم (يا ربي يا سيدي بسم الله) جلست من جديد في نفس المكان ونظرت حولها لتجد زوجها العجوز قد عاد وإنهاء عمله من جمع التمور وقص بعض العراجين من النخيل
قالت . انت جيت يا حاج
قال . ايه جيت وتميت النخلات وجبت معاي ما كتب ربي من خيرات والحمد لله
قالت .الحمد لله ياحاج وربي يعطيك الصحيحه والهناء ان شاء الله
قال . الله يسلمك ...ماقلتيليش من يكون هالراجل
قالت . (وهي تملاء الكوب باللبن وتعطيه الى الحاج عبدالله ) هذا مسكين جاي يدور في اميه لكرهبته (السيارة)
قال .عطيه شوية رطب (وهو ينظر الى الحاج عبدالله )
ثم وجه كلامه للحاج عبدالله
قال .تعال تفضل ومد يدك من القفه وكول كويس مع اللبن ماتردش
قال الحاج عبد الله . بارك الله فيكم والله كفيتو ووفيتو يعطيكمك الصحة
قال الحاج مختار . مافيشي جميل يا ولدي هذا رزق من ربي باعته
قال الحاج عبدالله. الحمد لله (وهو يمد بيده تجاه الرطب ويتناول بعض الحبات في كفه )
استمرت الحاجة في مخض اللبن الذي كان فيما سبق تم حلبه من المعزة التي تصيح في جوارهم وحيدة
فنظر الحاج عبدالله وهو يفقد المكان بتأمل وهو يشرب اللبن ويأكل حبات الرطب فلفت انتباهه الى محراث قديم ويبداء غير صالح للعمل نظرا لوجود كسر في بعض اللسن (الخباشات )
قال الحاج عبدالله . لمن هذا المحراث يا حاج وخيره مكسور؟
قال الحاج مختار . ايه يا ولدي هذا عنده قصة طويلة
قال الحاج عبدالله . يا ريت تكحيلي يا حاج
قال الحاج مختار . يا سيدي هذا والسي مبروك العام الماضي لما جئ يحرث عندنا جابه معه وكان يحرث في الأرض وبعد ما وصل نص العمل انكسر وخرب في نص الخدمة وطلب حقه في وقتها ونحن متفقين علي التخليص بعد ما نحصد كيف كل عام ولكن ركب راسه وقال ما نقدرش انراجي وانتم حتى الحرث ما كملتاش عندكم كيف بيطلع الزرع وكيف بتخلصني بعدها
قلتله يا ودي الله غالب يا سيئ المبروك وكيف بندر معاك بس كيف قالي عطيني الشويهيات (الخرفان) (وكان عندي مجموعه باهيه فوق العشره ) طمع فيهن وخذاهن غرامه حق المحراث وعقب المحراث عندي قال هذا ليك ما عاش نبيه
قال الحاج عبدالله. أستغفر الله العلي العظيم صار هكي يا حاج وكيف عقب العنزة ؟
قال الحاج عبدالله حلفتله قلتله والله مانك رافعها هذه نصيب الحاجة تحلب فيها خليها ربي يفتح عليك وبعدين طاب واقنع بالباقي ومشي في حاله ومنها قعدنا انا والحاجة من غير سعي وحتى الحرث ما صارش منه الناس تحصد وتزرع ونحن ربي ينظر في حالتنا ويرحمنا برحمته
قال الحاج عبد الله . الحمد لله ربي كريم يا حاج .... ايش رأيك تعطيني المحراث عندي فيه غرض يا امن صلحته ورجعته ليكم او درتله فتلوكه وبعته وجبتلكم حقه خير ما يقعد ويزيد يفسد ويصدي
قال الحاج مختار . هو قاعد قاعد نشهد بالله انك ترفعه ربي يجيب الفرج على بدياتك يا ولدي شكلك ولد حلال وطيب ربي يفتحها في وجهك
الحلقة الثانية (2)
غادر الحاج عبدالله المكان بعد ان وضع المحراث بالسيارة وكذلك بعض عرا جين البلح والرطب كهدية من الحاج مختار له لكي يعطها إلى أهل بيته .
في المدينة وبعد ان اللتقا الحاج عبدالله بأصدقائه فلقد اخبره أحد الأصدقاء بقيام معرض زراعي في الأيام المقبلة في ساحة الجمعية الزراعية المجاورة لهم فخطر على باله أن يقوم بكتابة قصة الحاج مختار ويدونها في لوحة كبيره ويعلقها بجوار المحراث ويشارك بها في المعرض فقد يجد في قلوب الناس شيء من الرأفة والتشجيع وقد يكسب بهذه الطريقة نوع من التشجيع لهم
فقام بالذهاب إلى الجمعية لطرح فكرته عليهم فرحب الجميع بهذه الفكرة فقام بكتابة الفكرة وشرح التفاصيل لكل الأشخاص الذين قاموا بزيارة المعرض ونالت الفكرة والقصة إعجاب بالرغم من ان المعرض كان زاخرا بالمنتجات الزراعية المختلفة والآلات الزراعية الحديثة الا ان ظل هذا المحراث الذي تم تسليط الضوء عليه ولفت انتباه الغالب ممن قام بزيارة المعرض وشدة القصة انتباههم ونالت تعاطف الجميع كما توقع الحاج عبدالله تماماً .
وبعد انتهاء المعرض جاء يوم التتويج وحصد الجوائز للمشاركين وكانت المفاجاة وقعها كبير على الحاج عبدالله فلقد اسعده الخبر بفوز المحراث بالترتيب الاول من حيث المعروضات فلقد حاز على اكبر عدد من النقاط من خلال لجنة التقييم والزوار على الفور قام الحاج عبدالله بالتواصل مع اللجنة المنظمة للمعرض لأستلام الجائزة وهي عبارة عن مبلغ مالي بقيمة 2000 دينار كذلك قامت وزارة الزراعة بمنح هذه القصة جائزة اخرى اكبر بكثير من الجائزة الاولى وهي عبارة عن منظومة متكاملة من المعدات الزراعية من جرار وملحقاته كاملة (محراث وعزاقه وخزان مياة واخر للمبيدات وحفارة لغرس الاشجار وصنوق مقطور يجر خلف الجرار لنقل التبن والسماد وغيرها من الاشياء الخ من مستلزمات للجرار) مع ضمان الصيانة لمدة عامين في ورشة الوزارة
اتفق الجميع على مكان التسليم والاستلام للجرار وكيفية نقله وبعد ان تم الاتفاق على ساعة محددة خرج الحاج عبدالله على حسب الاتفاق وفي نفس الموعد ووصل الى مزرعة الحاج مختار فوجده جالساً يتأمل ملكوت الله وبجواره الحاجة تجلس بجوار حفرة صغيرة قامت بأشعال النار فيها ووضع براد الشاهي فوق تلك النار.
قال الحاج عبدالله. السلام عليكمن ورحمة الله
قال الحاج مختار . وعليكم السلام ورحمة الله (وكانت الحاجة تردد نفس الكلام برد التحية ) للحاج عبدالله
قال الحاج عبدالله . كيف حالكم يا حجاج ؟
قالو بصوت واحد . الحمد لله
قالت الحاجة .(وهي تمد بطاسة الشاهي للحاج عبدالله ) تفظل هالطاسه على ماجيت
قال الحاج عبدالله . بارك الله فيك حاجة شكرا جت في وقتها
قال الحاج مختار . كيف حال الصغار يا حاج عبدالله ان شاء الله كويسين
قال الحاج عبدالله ( وهو يشرب الشاهي ) الحمد لله كلهم بخير ونعمه من ربي
قال الحاج مختار. الحمد لله
قاتل الحاج عبد الله . توه جايين جماعة وراي ودرت معاهم موعد علشان نتلاقى عندكم اليوم ونتغدو معاكم
سمعت الحاجة الخبر وكانت مستغربه مما تسمع وهي تنظر حولها وتقول الحمد لله
ثم زادهم الحاج عبدالله بالصدمة المؤلمة اكثر وهم كما يعلمهم الحاج عبدالله لا حيلة لهم ولا قدرة على اطعام كل من سوف يأتي وكم عددهم
قال الحاج عبدالله .ياحاج مختار هي خلينا نذبحو العنزة بيش اطيب بيها الحاجة الغذاء
(نظرت الحاجة الى الحاج عبدالله وهو يتكلم وكأنه امرهم ان يذبحو احد ابنائها في استغراب )
لم يشعر الحاج مختار بتردد ولا يأس ولاعجب بل كان مرحب جداً لما يسمعه من حديث مع الحاج عبدالل
قال الحاج مختار . هي نوض انت يا حاج وخود الموس من الحاجة وتوكل على الله وسمي وادبح بروحك وانا نعاونك
قالت الحاجة . حاضر شوي ونجيبلكم الموس ونجي (قامت وهي تسمي بسم الله يارب )
قام الحاج عبدالله بذبح العنزة وقامت الحاجة بأشعال الحطب وتحضير بعض الخضروات التي قام بتنزيلها الحاج عبدالله من سيارته كما رتب هو للخطة المرسومة
وبعد ساعة ونصف كانت شاحنة الوزارة قد وصلت وفيها كل ما يتمنى أي مزارع من معدات ولكن لا يعلم الحاج مختار ولا الحاجة بشيء مما يحدث من حولهم حتى الان
وكان الحاج عبدالله قام بتحضير مجلس يتسع الجميع وساعد الحاجة في تجهيز طاسة شاهي عالحطب وكذلك كانت الحاجة قد وضعت الطنجرة عالنار منذ ساعة تقريبا وقام الحاج مختار بالجلوس مع الضيوف والترحيب بهم تحت ظلال شجرة زيتون كبيرة بجوار البيت .
بعد ان تناول الجميع وجبة الغداء وشرب الشاهي
قال الحاج عبدالله . هيا يا جماعة خلينا انزلوا بضاعة الحاج ونتوكا على الله نمشو
نظر الحاج مختار بأستغراب وهو يستمع الى كلام الحاج عبدالله
قال . ابضاعة شنو يا حاج عبدالله الي بتنزلها ؟
قال الحاج عبدالله . هذا قسمك ونصيبك من المحراث يا حاج مختار من وزارة الزراعة ومازال فيه حاجة اخرى امغير خلي الجماعة ينزلو البضاعة وبعدين نحكيلك ياحاج
تنفست الحاجة بعمق وهي تشعر بنوع من الفرح يدخل قلبها وكذلك الحاج مختار وعرف ان الله عوضهم في صبرهم الخير الكثير
بعد ان قام الرجال بتنزيل كل المعدات والجرار على الارض وبعد ان غادر الجميع
قال الحاج مختار . الله يبارك فيك يا حاج عبدالله والله ماقصرت ياولدي يعطيك الصحة
قال الحاج عبدالله . توه خلينا نمشي انا وياك للسوق ونشرو شوي احويليات (اغنام) من السوق قبل ما يفوت النهار (وقام الحاج عبدالله بمد يده الى جيبه في الفرمله ويخرج منها ضرف به قيمة مالية 2000 دينار واعطاها للحاج مختار)
قال الحاج مختار هيا ياسيدي خلينا نتوكل عالله
ذهب الاثنان وهما في السيارة دار حديث بينهم
قال الحاج مختار . قولي يا حاج عبدالله توه انا مانعرفش نسوق الجرار من بيعلمني السواقه
قال الحاج عبدالله . انا ياحاج تو انجي كل يوم ونعلمك كيف تسوق ما تخممش واجد يا حاج انجيك كل يوم لين تتعلم كيف تحرث وكيف تركب المعدات وكيف تفكهم كلهم .
الحلقة الثالثة والاخيرة (3)
وبعد أن أوفى الحاج عبدالله بوعده للحاج مختار أصبح الحاج مختار بمقدوره قيادة الجرار والعمل بمفرده او بمساعدة بعض أهل القرية بعض الأحيان وبداء سكان القرية يطلبون منه العمل عندهم كلما احتاج احدهم لنقل بضائع او حرث الأرض او رش بعض المبيدات او أي شي يستطيع أن يقوم به الحاج مختار وخاصة أصبح لديه طاقم كامل وكان الحاج مختار سمحا ولين في التعامل مع الناس بكل كرم ولطف وثقة في التعامل ومرت الأيام وطال الزمن حتى قام في يوم من الأيام الحاج عبدالله بزيارة صديقه الحاج مختار والحاجة
بعد أن قام بالسلام عليهم وجلس وهو يشرب ألشاهي قدام الحوش
قال الحاج مختار. قولي يحاج عبدالله
قال الحاج عبدالله . نعم يا حاج مختار
قال الحاج مختار . إنا خاطري نبي نمشي للحجاج أنا وباك والحاجة
قال الحاج عبدالله . والله هذا خبر يفرح ويسعد كل مؤمن ياحاج وانا موافق ..بس هالوقت مانكدبش عليك راني قاصر شوي
قال الحاج مختار . أنا مداير حسابي كله وحسابك معاي يا حاج عبدالله من قبل ما تقول
قال الحاج عبدالله . يا سيدي خلاص مادام هكي نتوكل على الله ونمشي نسجل كيفنا كيف الناس
وخرج الحاج عبدالله من عندهم ومعه كل الأوراق التي تلزمه للتسجيل واتفق الجميع وعزم النية على الشروع في فريضة الحج
ولقد تمت لهم الموافقة وحصولهم على التأشيرة لأداء مناسك الحج وفرح الجميع لتمكنهم من أداء فرض الله للمرة الثانية لهم
انتهت الحكاية
مع تحيات
أخوكم سالم ابودبوس




